ابن أبي مخرمة
317
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
فقال المظفر : هما واللّه البيتان ، وسر بهما ، فخلع عليه السلطان ، ثم تكلم بكلام غير منضبط ، فقالت الجارية : هذا أوان تغير حاله ، فأعيد إلى بيته مسرعا . ويحكى أن المظفر قد أمر من عد له ثلاث مائة دينار ، ثم استشار ابن دعاس فيما سيعطيه ، فقال ابن دعاس : إنّ هذا لا يعرف ما صار إليه ، وإنما يصير إلى جارية ، فبينما هم في المشاورة ؛ إذ قال ابن الحطاب : من هذا الذي اختصه مولانا بمشاورته ، فقال السلطان : هذا الفقيه سراج الدين ، فقال ابن الحطاب : ومن سراج الدين ؟ ! ما نعرف سراج الدين وجمال الدين وبدر الدين وشمس الدين إلا محمدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال المظفر لابن دعاس : أحرقتنا بنارك ، وأعطاه الثلاث مائة . ثم إن المظفر أمر الطبيب بمباشرة ابن الحطاب ، ووعده على عافيته إعطاء ما سأل ، فيحكى أنه نظر إليه واستبشر له بالفرج ، فقال له ابن دعاس : واللّه لئن تعافى لا ترك لك ولا لأحد من الفضلاء قدرا ؛ فإنه في كل علم باقعة ، فوقع في نفس الطبيب ما قاله ابن دعاس فقال للمظفر : هذا لا يصح إلا بالعراق ، فقال المظفر : فلو بعثناه إلى العراق وتداوى ثم رجع . . هل يخشى عليه شيء ؟ فقال : نعم ، فأعرض السلطان عن ذلك ، وأجرى على الفقيه كل يوم عشرين درهما ، فلم يزل ابن دعاس بالسلطان حتى نقصها ، ثم صارت بعد ذلك إلى درهمين ، واستمر ذلك بعد موته على ذريته . حكى الجندي عن والده : ( أنه زار الفقيه ومعه شخص من أصحابه ، قال : فسلمنا عليه ، فرد السلام علينا ردا جيدا ، ثم قال لصاحبي : يا محمد ؛ هل جئتنا بشيء ؟ فقال : جئت بنفسي ، فأنشد ابن الحطاب ارتجالا : [ من الطويل ] أتانا أخ من غيبة كان غابها * وكان إذا ما غاب ننشده الركبا فقلنا له هل جئتنا بهدية * فقال بنفسي قلت نطعمها الكلبا قال : وكان بينه وبين الفقيه موسى بن أحمد التباعي شارح « اللمع » صحبة ومكاتبة ، وأنه لما دخل كتابه « شرح اللمع » إلى زبيد . . كتب إليه بشعر يقول فيه : [ من الطويل ] ترى دهسات الرمل من جانب الند * على عهدها أم قد تغيرن من بعدي منازل من مي عهدنا بها المها * لها فتكة تربى على صولة الأسد هنالك إذ مي على أيمن الحمى * وهند بيسراه فيا لك من هند سقى اللّه ربعا للأحبة باللوى * على عقدات الكثب والسهل كالعقد